
الكتابةُ عن الفيلم بوصفه حكاية حبٍّ وذاكرة، لا بوصفه ملفَّ تاريخٍ ولا محكمةً لأحد؛ فما يعنينا هو ما يبقى في الإنسان بعد أن تنتهي الخرائط من عملها. .. "لو كان لديّ الخيارُ بين تركِ بيتي والموتِ، لاخترتُ الموتَ بنفسٍ راضيةٍ.. للأسفِ، لم يكن لديّ خيارٌ مثلُ هذا".. لاجئٌ مجهول. البيتُ رائحةٌ وظلالٌ وصوتٌ معلّق في سقفه، والخروج منه خروجٌ من النسخة الأولى منّا، وما يليها نسخٌ باهتة. وتقسيم الأرض يشطر الجيرة والعادة واللسان الذي كان يسع الجميع. خطٌّ يُرسَم في غرفةٍ بعيدة، ويدفع ثمنَه من لم يُستشَر، والطائفية تأتي بعد الخط. قُسِّم الناس أولاً، ثم تكارهوا.. والكراهية تبحث عن الأضعف لتثبت نفسها، ولهذا كانت النساء أوّلَ الثمن. ولا يُسمّي الفيلم طائفة القاتل. يجرّده من دينه ويترك الجريمة عاريةً بلا عنوان، لأن من يمنح الكراهية اسماً؛ يمنحها ذريعةً للتكرار. نحسب أن التهجير يأخذ البيت والأرض.. الأصدق أنه يأخذ القدرة على الحنان. من يُجبَر على دفن ماضيه يدفن معه جزءاً من قلبه ليبقى حيّاً، فينجو بلا دفء.. وبه ينتقل المنفى من جيلٍ إلى جيل، ليس في الحكايات وحدها بل حتى في الصمت. ولهذا يخاف الكبار من الرواية.. يقولون إن الحكاية إذا رُوِيت صارت سلاحاً في يدٍ لم تعشها.. والتاريخ الذي يُروى بلا إنسانية يترسّب في النفوس سُمّاً.. والحبُّ إذا مات مع أصحابه، صارت الكراهية وحدها ميراث الأجيال. في الفيلم رجلٌ يحمل على معصمه وشماً باسم من أحبّ وبلغة أرضٍ كانت تسكنه.. حين تُصادَر الأوراق كلها، الهُوِيّات وصكوك البيوت، يكتب الإنسان وثيقتَه على جسده.. فالذاكرة آخرُ مستندٍ يعجز خطُّ التقسيم عن إبطاله. وحين تنتهي القصّة وتبدأ أغنية النهاية، تظهر وجوه المهجَّرين، من فلسطين وغيرها من الأوطان التي قطعها الألم ولم يستطع الأمل أن يجمع شتاتها.. تهجيرٌ وقصفٌ وانتهاكاتٌ لا تُحصى، نصيبُهم من حدودٍ لم يرسمها أهلُها. "سأعود" (Main Vaapas Aaunga).. فيلمٌ هنديٌّ يمنحك المتعة، ويترك بريق أسئلةٍ في عينيك عن الحبّ والذاكرة والأرض الأولى. شاهده، ولا تدع أحداً يحكيه لك قبل ذلك. وكما قالت (جيا): "القصيدة أفضل بصوت الشاعر"، فقرأها (إيشار سينغ) قبل الرحيل الأخير. الحدود تُرسَم في ساعات.. والجراح تُداوى في أجيال، إذا دُووِيت.