
تَخَيَّل أن ينطفئ "الإنترنت" الليلة.. في لحظةٍ واحدة، تَصمُت مليارات الأصوات.. كُلّ رسالةٍ كتبتَها في الثالثة فجراً، كُلّ صورةٍ التقطتَها لِتَقولَ: "أنا هنا، أنا كُنتُ سعيداً"، كُلّ كلمةٍ سكبتَ فيها قلبك ضوءٌ يخبو على شاشة.. بلا رماد، بلا وداع..... مصباحٌ في نافذةٍ بعيدة، يُطفَأ فجأة.. ويخنقك السؤال الذي يخنقنا جميعاً في الليل: هل سيبقى مِنّي شيء؟!! ولكن.. نحن نَظُنّ أنّنا نكتب لنُخَلَّد، والحقيقة أرقّ من ذلك بكثير.. نحن نكتب لنُمسِك بيدِ أحدهم في العتمة، قيمة الكلمة ليست في بقائها ألفَ عامٍ، إنّما في "تلك اللحظة التي قرأها فيها إنسان فشعر أنّه ليس وحده". البَرديّةُ تعيش ألفَ عامٍ، والقُرْص الصَّلْب يموتُ في عَقْد.. أهَشّ ما صنعناه هو ما ظنَنّاه أخلد. ومع ذلك.. فقدتِ الحضاراتُ مكتبةَ الإسكندريّة بأكملها، "ولم تفقدِ الإنسانَ"، لأنّ أعمق ما فينا لا يسكن (الخوادم)؛ هو يسكن الأيدي التي تزرع، والصدور التي تُحِبّ، والذاكرة التي تَنقُل الحكايةَ من جَدّةٍ إلى حفيدٍ. لستَ أرشيفك.. لستَ عددَ متابعيك، ولا آلافَ الصور في هاتفك، أنتَ الدفء الذي تركتَه في قلوب من عرفوك، والمعنى الذي أشعلتَه في يومٍ ثقيلٍ على أحدهم. فلو انطفأ كُلّ ذلك المصباح غداً، فلن تعتم النافذة التي أضاءها.. يبقى فينا ما لا يُنسَخ ولا يُحذَف؛ أنّنا أحببنا، وأنّنا كُنّا هنا.. هنا فقط.