→ العودة إلى المدونة

·١ دقيقة قراءة

للشاعر المصري أحمد جمعة .. حذاء أبي على السجادة الحمراء يلتقط له الصمت صورة بينما يصفّق الفراغ.. وضعت قدمي في حذائه كان على قياسي تمامًا لكنني لم أشعر بما كان يعانيه.. لم أدرِ أن باطن الحذاء البالي كان ينخر عظامه مثلما يُهلك الرصيفُ النعلَ، كان الحذاء الوفي يتقن وجعًا بأكمله يخفيه أبي في قدميه، بروز الإبهام في جلد الحذاء المنبعح يشهد على وقوفه الطويل وهو يطرق الأبواب كي لا يعود إلينا بأبوّةٍ منكسرة. ينتظر عند الباب كل فجر قدمَي أبي وكلاهما يئن من الخشونة، يغادر والظلمة تبتلع الرصيف، ثم يعود والظلمة تدغدغها المصابيح القديمة وتفوح من ربطات الخبز .. رائحة عرقه ورائحة عمره الذي بات باهتا. يواسيه في طريقٍ طويلٍ لطالما ظن أنه سينتهي قبل أن يعانق الراحة قبل أن يرى ابتسامات الرضا على وجوهٍ.. أكلت ملامحه في أرغفة من الصمت.. ما زالا يفكران معًا: هل تناولت زوجته الدواء؟ هل أحضروا لطفلته مريول المدرسة لصفّها الأول؟ هل نام ابنه مطمئنًا إلى أنه سوف يضمن له عند مديره وظيفه؟ لكن إجابة القدر كانت أسرع من خطى الحذاء؛ سقط مثل شجرة عتيقة في غابة منسية وحيدًا بين ظلمة السعي وفي جيبه ثمن يومه الأخير وفي قلبه وصايا لا يعرفها سواه.. عاد الحذاء الوفي وحده إلى البيت دون أبي في كيس بلاستيكي شفاف تسلمناه من الشرطي.. اليوم أنتعل حذاءه بغصة؛ أشواك السنين التي بذرها الشقاء في قدميه أزهرت في قدمي، أدركت متأخرًا كيف كان يحملنا على كتفيه قاطعًا عمره وهم يبتسم!

واتسابXفيسبوك