→ العودة إلى المدونة

·الإسلام مرجعيّة·٢ دقيقة قراءة

امرأةٌ من طينة هذه الأرض، كانت الدفءَ قبل أن أعرفَ معنى البرد، كانت الأمانَ قبل أن أعرفَ معنى الخوف، وكانت هي.. #أمّي. وُلِدَت في بيتٍ طينيٍّ في #جعلان_بني_بوعلي، تحت سقف مشيخة طالب بن عبدالله البلوشي، كان الطينُ عزّاً والحجرُ ترفاً، والبساطةُ كرامةً.. بيتٌ سياجُه اسم أبيها، وممرّاتُه المفتوحة على مساحةٍ من ضوء تتعبَّق بعطرِه وأثرِ خطواتِه الهادئة، وبقايا صوتِه ذي البحّة الجميلة، وعتبتُه التي تعرف أقدام الكرام قبل أن يطرقوا.. وهناك اكتنزت قلعةُ آل حمودة بدهشتها الأولى.. وحول حاراتها الطينيَّة تحفظ بصمة أقدامها حين كانت صغيرة.. في ذلك البيت عرفت القيادة وخبايا السياسة قبل أن تعرف الحرف؛ من حديث أبيها.. ومن علوم خال أمّها الفقيه الشيخ يوسف بن محمد البلوشي.. ومن الهمسات التي تتسرّب من بين شقوق القلعة حيث تجد طريقها إلى البيت قبل أن تصل الأخبار إلى الناس! وفي #إبراء.. بلّلت قدميها الصغيرة بماء السواقي، وتشكَّلت روحها على يدي جدَّتها ذات الشخصية الحازمة بحنوٍّ عليها.. شريفة بنت محمد البلوشي (بنت الجعلاني)، تلك المرأة التي زرعت في حفيدتها الأثيرة وقاراً كالمعدن الذي لا يصدأ. كانت تأتي النساء إليها.. كما يأتي الظامئ إلى الماء الذي يعرف مكانه؛ بابٌ لا يُغلق، وصدرٌ لا يضيق، وكلمةٌ تعرف موضع الجرح دون أن تسأل.. كالشجرة الوارفة، تهب ظلّها.. لا تسأل من جلس، ولا تسأل الريح شكراً! ومع الضوء مضت نهاراً.. واستقرَّت في #المضيبي زوجةً صغيرةً وأمّاً كبيرة، استقرار الماء حين تحفّه سواقي الضواحي. صار البيتُ بستاناً، والعَتَبةُ أماناً، وحديثها طبطةً للقلوب المتعبة، وتطبيباً للأجساد الواهنة، بدَلَّتها النحاسيَّة.. يتهادى صوت القهوة وهي تُسكَب، كأنَّها كانت تقول: اطمئنوا.. أنتم هنا، وأنتم بخير، لم يعلم أحدٌ أنَّ تلك اليد الحنونة التي تسكب بهذا الثَّبات فقدَت كثيراً.. وهي تودّع من تحبّ.. (سالم) ذهب قبل أن يحبو إليها باكياً مشتاقاً، و(مريم) أخذَها الله صغيرة قبل أن تسرّح شعرها للمدرسة، و(محمود) حاول أن يعرف الماء؛ لكنه رحل معه ذات عصرٍ في ثقبة #فلج_الفرسخيّ ولم يعد.. تلك هي وحشيَّة الماء!! أخذت منها ما لم يكن لأحدٍ أن يأخذه، والماء.. يجري كأنَّ الدنيا لم تنتبه إلى ما حدث.. ثلاثةٌ دفنتهم بيديها.. وفي كلِّ مرَّة تشعل تحت الدَّلَّة ناراً، وتنتظر الضيفات! وقفتُ أمام طيفها.. لا صوتٌ ينبّهني أو يميل إليّ فأرتاح، فهمتُ حينها كيف يصبح القلب يتيماً.. شيءٌ فيني اختلف.. الفلج يجري كما كان، والدَّلَّة باردةٌ للمرَّة الأولى، وأنا أكتشف أنَّ امرأةً واحدة.. كانت كلَّ هذا الهواء الذي كنَّا نتنفَّسه ولا ندري، والذين يصبرون هكذا لا تسعهم هذه الأرض.. تسعهم هناك.. الجنّة! ريّا بنت طالب - طيّب الله ثراها- اسْقِها يا اللّه من حوض نبيِّك، وأَظِلَّها تحت عرشك، وأَسكِنها حيث ينتظرها من فقدَتهم.. قبل أن نفقدَها، حيث لا تبرد الدِّلال، ولا يأخذ الفلجُ من تحبّ!!

واتسابXفيسبوك