في دراستي للماجستير، كان البروفيسور يرفض أن يُنادَى بلقبه.. وجد في اسمه وحده تقديراً يكفيه. أخذت منه تلك الإشارة وأنا رجل بسيط، يجد في الاسم الذي منحته إياه أمّه رحمها الله ما يغنيه عن كل لقب. أُتيحت لي فرصة دراسة الدكتوراة في جامعات دولية مرموقة.. لكن أصالة المشروع لم تنل مني أكثر من اهتمامٍ قصير، سرعان ما تبخّر. خرجت بقناعة راسخة؛ الدكتوراة مسار أكاديمي بامتياز لا يحتمله إلّا من يسكن داخل تخصص دقيق، أو يشتغل في مجالات علمية لا تجد موطئاً لها خارج الإطار الأكاديمي، أمّا من كان ميدانه المهنة فالماجستير يكفيه ويزيد. لكن ما يلفتني اليوم أعمق من هذا.. لقد نشأت بيئات رسّخت في أذهان كثيرين أن حامل "د." يستحق توقيراً أكبر، وتقريباً أسرع، وربما ترقيةً أسهل بصرف النظر عن أثره الحقيقي، فأصبح اللقب في وعي جيل كامل من الشباب شيئاً مختلفاً تماماً عن العلم؛ تحقيقاً للذات حين عجزت البيئة عن الاعتراف بهم بطريقة أخرى، وتوثيقاً لحضور اجتماعي لم تمنحهم إياه الكفاءة وحدها، وبوابةً لاعتراف ظلّوا يطرقون أبوابه دون جدوى. والمفارقة التي تستحق التأمّل.. أن أعظم من أثّروا في مسار الفكر الإنساني لم يكونوا يلاحقون لقباً كانوا يلاحقون سؤالاً لا يتركهم.. صنعوا أثرهم بما أقلقهم لا بما وُصفوا به. اجعل سؤالك أكبر من لقبك، وأثرك أوضح من اسمك!