


بعض البيوت لا تُبنى للسكن.. تُبنى لتحتضن زمناً بأكمله، منزل #الشيخ_علي_بن_زاهر_الهنائي طيّب الله ثراه في #المضيبي.. واحدٌ من تلك. بناءٌ أبيضُ يشدّ الناظر إليه بوقار.. في طابقه العلوي زخارف منقوشة؛ تمرّ من بين ثقوبها الريحُ برفق، كأنّ البيت يتنفّس. كان أكثر من مسكن، فيه #البرزة؛ المجلس الذي كان يلتقي فيه الشيخ الناس، يسمع ولا يعجّل، وينصف ولا يغلق بابه على أحد.. ورائحة (بنّ) القهوة العربي لا تفارق البرزة.. تستقبل الداخل قبل أن يستقبله أحد.. كان الصغار يجلسون في أطرافه يرقبون، ولا يدرون أنهم يختزنون.. حيث ما يراه الطفل في مكانٍ كهذا يصبح يوماً ذخيرة عمر.. وكم تشرّب من هذا الفضاء الحيّ من وُلد بعيداً بين نخيل #الغافات؛ أبناؤه وأبناء إخوته الذين تسرّبت إليهم رائحة المضيبي ذات زيارة.. فما وجدوا عنها فكاكاً، ومكثوا مدداً يحسبونها أياماً فإذا بها تنقش في القلب ما لا يُمحى. وعلى طرف زاوية شرقية يوجد #البخّار.. حيث يبيت من اقتضت الأحكام إيداعه، حقّاً لا ظلماً.. وبين هذا وذاك العسكر؛ رجال الوالي يذرعون المسافات من البرزة إلى البخّار؛ استدعاءً أو إيداعاً.. وكانت خطواتهم هي نفسها إيقاع الولاية ونبضها كل يوم. وبجانب البيت المهيب.. أُقيم مبنى البريد بعد حين.. صناديق صغيرة كانت تحمل أخبار الغائبين وأشواق المسافرين وكم من يدٍ فتحت صندوقها بقلبٍ معلّق تبحث عن خطٍّ مألوف، أو بطاقة مندوب (مجلّة ماجد).. وليس ببعيد سوى خطوات، هناك (شريعة فلج #الفرسخي).. تسمع دفقاته قبل أن تراه، يجري كما يجري الزمن مختالاً يستعذب العصافير وأصوات النساء وثرثرة العابرين. في هذا الحيّز الصغير من المضيبي تتجاور ثلاثة أشياء لا تجتمع إلّا في الأماكن التي باركها الله؛ (بيت العدل، وصندوق الأشواق، وماء الفلج). اليوم يقف المنزل الأبيض بزخارفه.. شاهداً حاكياً إلى كلّ من أمعن النظر.. إنّ أكرم البيوت تلك التي يبقى أثرها في القلوب بعد أن تغادرها الأقدام.. والفلج لا يزال يتمختر كأنه لم يسمع أن الزمن تغيّر. رحم الله الشيخ الجليل علي بن زاهر الهنائي، وبارك في كلّ من يحمل ذكراه.. أثراً وطِيباً.